محمد جواد مغنية

90

في ظلال نهج البلاغة

ان رسول اللَّه ( ص ) قال : وأنا تارك فيكم الثقلين : أولهما كتاب اللَّه ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب اللَّه ، واستمسكوا به ، وأهل بيتي ، أذكركم اللَّه في أهل بيتي ، كررها ثلاثا . ( من تقدمها ) أي راية الحق ( مرق ) خرج من الدين ( ومن تخلف عنها زهق ) أي هلك ( ومن لزمها لحق ) برسول اللَّه ، وكان معه في جنة النعيم ( دليلها ) أي دليل راية الحق ، ومراد الإمام به نفسه بالذات ، لأن الحق معه يدور كيفما دار بشهادة الرسول الأعظم ( ص ) التي رواها كثيرون ، منهم الترمذي في صحيحة ، باب فضائل الإمام علي ، وقال ابن الجوزي : لا يختلف العلماء في ذلك ( انظر صيد الخاطر ص 385 ) . ( مكيث الكلام ، بطيء القيام ، سريع إذا قام ) . بعض الناس يسرع إلى الكلام لا لشيء إلا لأنه يجد فيه لذة وحلاوة ، وان كان لغوا وعبثا ، وبعضهم يبادر إلى الفعل بطيش وحماقة ، أو بدافع الهوى والغرض ، أما الإمام فإنه لا يفيض بقول أو فعل إلا عن تدبر العقل ورويته ، وعن الدين وشريعته ، فمتى أمر الدين والعقل أقدم وأسرع وإلا أحجم وامتنع . وهذا هو شأن الأئمة الهداة الذين اختارهم سبحانه لأمره ، وحججا على عباده . ( فإذا أنتم ألنتم له رقابكم ، وأشرتم اليه بأصابعكم ) . ضمير له واليه يعود إلى الإمام وقد أخبر في قوله هذا أن أصحابه الذين يخالفون الآن أمره سوف يسلسون له القياد ، ويستمعون اليه ، ويعرفون مكانته وعظمته - طبعا ما عدا الأشعث بن قيس - ولكن متى بلغوا من الرشد هذا المبلغ ( جاءه الموت فذهب به ) أي قبض اللَّه سبحانه الإمام اليه ، وترك أصحابه حيارى لا يهتدون إلى قصد ، واتفق الرواة على أن الإمام كان لديه قبيل وفاته جيش من أربعين ألفا يطالبون بصفين ثانية ، وانه في أخريات أيامه كان يرتقب الموت في لهفة ، ويقول مرددا : « متى يخضب أشقاها هذه من هذه - يشير إلى لحيته وهامته - فو اللَّه اني لعلى الحق ، واني للشهادة لمحب » . ( فلبثتم بعده - أي بعد الإمام - ما شاء اللَّه حتى يطلع اللَّه لكم من يجمعكم ويضم نشركم ) . قيل : هذه إشارة إلى دولة بني العباس . وقيل : إلى المهدي المنتظر . . وليس من الضرورة أن يكون المراد بجمع الشمل هنا الجمع سياسيا أو عسكريا حتى نضطر إلى التفسير بالمهدي المنتظر أو بدولة العباسيين . . فمن الجائز